| ► | شباط 2012 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | ||||
| 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 |
| 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 |
| 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 |
| 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | ||

بمناسبة الإساءة لرسول الله
د.عماد الراعوش
من أهم القضايا التي ناقشها القرآن الكريم وأطال في مناقشتها قضية إثبات رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم, وإثبات القرآن الكريم وكونه وحي من الله. ذلك لأن إثبات القرآن الكريم إثبات لكل قضايا الدين بما فيها قضية وجود الله ووحدانيته وسائر أصول الدين. فإذا ثبت أن هذا القرآن معجز ولا يمكن أن يكون من عند إنس ولا جن، فهذا يعني أنه من مصدر آخر ليس كسائر المخلوقات، ذي علم مطلق وقدرة كاملة، أي من عند الإله الخالق المتصرف بهذا الكون. عندها يلزم عقلاً أن نسلم بكل ما جاء في هذا القرآن. ويعزز ذلك أن القرآن الكريم طرح هذه القضايا ودلل عليها بالبراهين العقلية التي تكفي للإقناع بمثل هذه القضايا، وسيكون الإيمان أعمق عندما يثبت صدق هذه الرسالة من جهة مصدرها ومن جهة ذاتها والقرآن الكريم.
في هذا السياق عرض القرآن الكريم شبهات المشركين على رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وحصرها في اتجاهين الأول: إلى ذات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والثاني: إلى القرآن الذي أنزل عليه.
في الاتجاه الأول يعترض المنكرون لرسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بشبهات ساقطة ظنوها أدلة صادقة ، والواقع أنها ليست إلا تفاهات يشاغبون بها ويغذون عنادهم وإصرارهم على الباطل. ومن هذه الشبهات: قالوا إن محمدا صلى الله عليه وسلم بشر مثلهم، ويتصرف تصرفات البشر فكيف يكون رسولاً يتصل بالله. يقول تعالى: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً)(الفرقان:7), وهو الاعتراض المتكرر الذي اعترض به المنكرون من كل الأقوام على رسلهم. كيف يكون لإنسان مثله مثلهم يأكل ويشرب وينام ويسير بينهم أن يكون رسولاً من عند الله يوحى إليه وهم مثله ولا يوحى إليهم.
أجاب القرآن الكريم على هذه الشبهة بأن حكمة الله اقتضت أن يكون الرسول من جنس من أرسل إليهم ليفهموا عليه، وليكون بمقدورهم تقليده لأنه لو كان أرقى منهم لتذرعوا بأنهم لا يملكون من الصفات ما يؤهلهم لأن يكونوا مثله. لهذا أنزل الله للناس رسولاً من جنسهم ولو كانوا ملائكة أو كانوا بصفة الملائكة لأنزل إليهم - كما يطلبون - ملكاً رسولاً. قال تعالى: { )وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولاً* قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَسُولاً) (الإسراء:94-95).
وفي سياق العناد والجدل قالوا: (وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ)(الأنعام:8), فرد عليهم القرآن بقوله: (وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ) (الأنعام:8), وبأن صدق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ثبت بالمعجزات الباهرة وعلى رأسها القرآن الكريم بما لا يدع مجالاً للشك في صدقه. ولكن اعتراض هؤلاء القوم إنما هو تمادٍ في الباطل. فاعتراضهم وإعراضهم عن الحق ليس لأن البرهان على صدق الر
الدكتور عماد الراعوش
التراث الإسلامي مصطلح شامل يتسع لكل ما له علاقة بالإسلام من نصوص القرآن والسنة النبوية, واجتهادات العلماء السابقين في فهم هذه النصوص وتطبيقها على الواقع, وقد حصل خلاف حول ما إذا كان هذا التراث دينا مقدسا يجب الالتزام به, أو نصوصا واجتهادات مرتبطة بأزمانها وأماكنها الغابرة, تعامل على أنها تاريخ ينقل لنا تجربة بشرية قابلة للنقد والنقض والتعديل والتطوير بما يتناسب مع الزمان والمكان والظروف الخاصة بكل عصر.
بعضٌ من التقليديين أو (النصيين الظاهريين) نظروا إليه على أنه كله -النصوص الشرعية والاجتهادات البشرية على حد سواء- دين مقدس صالح لكل زمان ومكان ويجب الالتزام به, والوقوف عند كل جزئية من جزئياته, مستدلين بقوله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)(أخرجه البخاري)، هؤلاء أوقفوا عجلة التاريخ ووقفوا عند مذاهب القدماء بكلياتها وجزئياتها, محاولين إسقاط تلك النصوص والاجتهادات على قضايا العصر, حتى القضايا المستجدة إما أن تكيف بما يتلاءم مع ذلك الموروث أو أن تعتبر من بدع هذا الزمان, وحكموا على كل إضافة في هذا التراث بالرد، وعطَّلوا باب الاجتهاد محتجين بأن الله أكمل الدين وأتم التشريعات الكلية والجزئية, ولا داعي لأي إضافة بشرية مستدلين بقوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً)(المائدة:3)، ونتيجة هذا التفكير وقف هؤلاء عاجزين عن حل مشكلات العصر واستيعاب مستجداته, وضيقوا الإسلام عن أن يعالج تلك المشكلات ويستوعب تلك المستجدات, وعن أن يكون صالحا لكل زمان ومكان.
وبعضٌ آخر من الحداثيين نظروا إلى التراث الإسلامي على أنه اجتهادات بشرية محكومة بعقول وأفهام بشرية-من جهة- وبواقع خاص من جهة أخرى, وبالتالي فهي قابلة للأخذ والرد؛ لأنها اجتهادات بشرية, ولأنها مرتبطة بزمان ومكان خاصين وقد لا تتناسب مع غيرهما, والواقع أن أكثر هؤلاء أداروا ظهورهم لكل هذا الموروث وجردوه من أي صفة دينية قدسية, وأقصى حالات الاحترام لهذا التراث -عند هؤلاء- مجرد الدعوة إلى إعادة صياغته بكلياته وجزئياته بصيغة تتلاءم مع العصر, فعلى سبيل المثال يدعو طه حسين إلى إخضاع القرآن الكريم للنقد كأي نص أدبي, ويدعوا آركون إلى نقد العقل الإسلامي, ويقصد كل ما كان له دور في تشكيل العقل الإسلامي من نصوص القرآن والسنة واجتهادات العلماء السابقين, ويعتبر نصر أبو زيد القرآن نصوصا خاصة نزلت لتعالج وقائع خاصة لشخوص وأزمان محددة, ولا يصح –عنده- أن تعمم على غير هذه الوقائع, ومثلهما محمد شحرور وغيرهما ممن يسمون بالحداثيين, وما يجمع بين هؤلاء أنهم يخضعون التراث الإسلامي كله بما فيه القرآن والسنة للنقد والنقض والأخذ والرد, أي أن التراث الإسلامي –عند هؤلاء- كله تاريخ وليس فيه شيء مقدس.
الواقع أن هذين الفريقين لا يشكلان إلا قلة قلية, ولا يشغلان في الفكر الإسلامي إلا مساحة ضيقة جدا, تلك نتيجة واقعية علمية سيدركها أي قارئ أو مستعرض للمدارس الفكرية الإسلامية على مر التاريخ الإسلامي, ولا أقول ذلك بقصد تجاهل هذين الرأيين أو قمعهما, مع أن معظم أصحاب هذا الفكر ينظرون إلى التراث الإسلامي نظرة قمعية ازدرائية, ويمارسون ضد أصحابه نقدا قاسيا بعيدا كل البعد عن الموضوعية واحترام الرأي الآخر, ولا يستثنون من ذلك أحدا حتى الرسول صلى الله عليه وسلم لم يسلم من نقدهم, ولا عجب في ذلك, فهم الذين يدعون إلى نقد القرآن وهو كلام الله المنزه عن أي نقص, ولك أن تتحقق من ذلك باستعراض موقف آركون مثلا من الصحابة رضوان الله عليهم, والمفسرين وأئمة المسلمين, وهو موقف قائم على تجريدهم من أي فضل واتهامهم بالتخلف والتسلط في تشكيل العقل المسلم.
أنماط للعلاجات الروحية للأمراض النفسية
د. عماد الراعوش
الأمراض النفسية تنشأ عن اختلالات تطرأ على جسم الإنسان - كما ذكرت في مقال سابق - وهذه الاختلالات إما أن يكون سببها فسيولوجي, يؤدي إلى اختلالات في إفراز الهرمونات المسؤولة عن مزاج الإنسان وحالته النفسية, ما يؤدي بالتالي إلى اختلال في فكر الإنسان ونظرته للأمور وتقبله للأحداث وتعامله معها, ومثل هذه الحالة تعالج بالأدوية التي تعمل على ضبط الخلل الفسيولوجي الذي طرأ على الشخص, وبعلاج روحي يقوم على تقويم الفكر والسلوك الذي نشأ عن هذا الخلل, وقد يكون سبب الأمراض النفسية اختلال فكري لا فسيولوجي يؤثر بالتالي على فكر الإنسان ونفسيته وسلوكه, ومثل هذه الحالة تحتاج فقط إلى علاج يقوم على تقويم الفكر والسلوك.
في الأديان عموما أفكار وأساليب تساعد على تقويم الفكر والسلوك, وهذه تساعد في علاج مثل هذه الامراض النفسية, وقد قدم الدين الإسلامي أفكارا وأساليب وعلاجات روحية فاعلة مؤثرة بشكل مذهل في علاج هذه الاختلالات, ولا أقصد هنا العلاجات المباشر مثل قراءة القرآن على المريض بقصد الشفاء بإذن الله وبركة القرآن – مع اعتقادي بصلاحيته وقوة تأثيره في العلاج - إنما أقصد العلاجات التي تتوجه إلى فكر الإنسان وسلوكه وتقومهما وبالتالي تؤدي إلى الشفاء بطريق غير مباشر.
ومن أنماط العلاجات الروحية في الإسلام على سبيل المثال لا الحصر: عقيدة التوحيد وما تتضمنه من إيمان بوجود الله ووحدانيته, وكونه الخالق المتصرف في هذا الكون, وبكماله وكمال أفعاله, وبكونه الرازق المانع القادر على النفع والضر, بهذه العقيدة لا يخشى الإنسان على نفسه ومستقبله شيئا, ويتوجه بأمره كله إلى الله ويتقبل قضاءه وقدره بنفس راضية مطمئنة, يتقلب بين الصبر على مصاب فات ويسأل الله أن يفرجه, وبين الأمل والرجاء برحمة الله ونعمته في أن يكون مستقبله خيرا من حاضره. وبعقيدة التوكل يفوض أمره كله لله بعد أن يتخذ في أمره الأسباب التي يقدر عليها, ثم يفوض أمر النتائج إلى الله, راضيا بما قضاه الله وقدره موقنا بعدالة ربه, وكان صلى الله عليه وسلم يستفتح دعاءه بقوله (اللهم إني عبدك و ابن أمتك ناصيتي في يدك ماض في حكمك عدل في قضائك).
ثم تأتي العبادات تعزز هذه العقيدة, وتحولها من إيمان نظري إلى سلوك عملي, فتسمو روح الإنسان وتتوثق صلته بربه, وتتعمق ثقته به ويرضى بقضائه, ويفوض الأمر كله له, ويتوكل عليه. ومن أَجَلِّ العبادات التي تحقق هذه المعاني, وتساهم في تقويم السلوك والفكر وتفيد في العلاج الروحاني: الصلاة: قال تعالى (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) (البقرة:45), وكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذ
الدكتور عماد الراعوش
الصحة النفسية تعني أن تكون انفعالات الإنسان النفسية في حالة طبيعية متوازنة متعادلة, وأن يكون ارتباط الإنسان بالناس والأشياء من حوله ارتباطا متوازنا, والمرض النفسي يعني أن تختل هذه الحالة الطبيعية المتوازنة بزيادة أو نقص. فمثلا طبيعي أن يتوقع الإنسان احتمالات مستقبله, وأن يدفعه هذا التوقع إلى تخمين النتائج والعمل على تحقيق النتائج المرغوب فيها وتفادي النتائج غير المرغوب فيها, ضمن طاقته وبنفسية مستقرة وفي إطار إدراكه لأن هنالك قوة عليا فوق قوتنا تتحكم بالأشياء, هذه حالة طبيعية يوصف الإنسان فيها بأنه سليم نفسيا, أما إن اختل هذا الانفعال ونقص عن حده الطبيعي إلى حالة لا يشعر الإنسان معها بأي اهتمام في المستقبل, أو زاد بحيث صار التفكير في المستقبل يدفعه إلى حالة من الإضراب والخوف غير المبرر, فإن ذلك يعني أن الإنسان دخل في حالة من المرض النفسي, وهو ما يسميه علماء النفس بالقلق: هو الشعور بالخوف الزائد من شر متوقع، والإحساس بالعجز عن مواجهته. هذه حالة تنتج عن الاهتمام بالمستقبل بشكل مبالغ فيه وعن الخوف من النتائج, ولكنه خوف غير مبرر, أو مبالغ فيه, صحيح أن الخوف حالة طبيعية في النفس, لكن الحالة المرضية تحدث عند نقصه أو زيادته عن حده الطبيعي.
في مثل هذه الحالة يختل مزاج الإنسان ويصل إلى حالة من الاضطراب والخوف والتردد وقد يدخل الإنسان معها في حالة من الاكتئاب وهي حالة انفعالية تكون فيها الحالة النفسية والجسدية متوترة وتكون فيها الاستجابات النفسية والجسدية منخفضة وغير سارة, ويصاحب هذه الحالة شعور باليأس والإحباط والسخط العام وانعدام الثقة بالنفس, وفقدان الاهتمام بالأشياء والعجز عن التركيز والشعور في بعض الأحيان بالعجز والميل إلى التخلص من الحياة. مثل هذه الحالة وردت في آثار عن النبي صلى الله عليه وسلم بتعبير الهَمِّ الحَزَن (بفتح الزاي) والحزن يكون من أمر قد وقع, والهم يكون من أمر مُتَوَقَّع, قال صلى الله عليه وسلم مستعيذا بالله (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحَزَن)، ومن آثاره كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في ذات الحديث العجز والخمول والسلبية قال صلى الله عليه وسلم (وأعوذ بك من العجز والكسل).
والملفت للنظر والمثير للخوف كذلك أن كثيرا من الناس من حولنا تبدوا عليهم مثل هذه الأعراض أو شيئا منها, أحيانا سوء المزاج والح
الدكتور عماد الراعوش
الصحة النفسية تعني أن تكون انفعالات الإنسان النفسية في حالة طبيعية متوازنة متعادلة, وأن يكون ارتباط الإنسان بالناس والأشياء من حوله ارتباطا متوازنا, والمرض النفسي يعني أن تختل هذه الحالة الطبيعية المتوازنة بزيادة أو نقص. فمثلا طبيعي أن يتوقع الإنسان احتمالات مستقبله, وأن يدفعه هذا التوقع إلى تخمين النتائج والعمل على تحقيق النتائج المرغوب فيها وتفادي النتائج غير المرغوب فيها, ضمن طاقته وبنفسية مستقرة وفي إطار إدراكه لأن هنالك قوة عليا فوق قوتنا تتحكم بالأشياء, هذه حالة طبيعية يوصف الإنسان فيها بأنه سليم نفسيا, أما إن اختل هذا الانفعال ونقص عن حده الطبيعي إلى حالة لا يشعر الإنسان معها بأي اهتمام في المستقبل, أو زاد بحيث صار التفكير في المستقبل يدفعه إلى حالة من الإضراب والخوف غير المبرر, فإن ذلك يعني أن الإنسان دخل في حالة من المرض النفسي, وهو ما يسميه علماء النفس بالقلق: هو الشعور بالخوف الزائد من شر متوقع، والإحساس بالعجز عن مواجهته. هذه حالة تنتج عن الاهتمام بالمستقبل بشكل مبالغ فيه وعن الخوف من النتائج, ولكنه خوف غير مبرر, أو مبالغ فيه, صحيح أن الخوف حالة طبيعية في النفس, لكن الحالة المرضية تحدث عند نقصه أو زيادته عن حده الطبيعي.
في مثل هذه الحالة يختل مزاج الإنسان ويصل إلى حالة من الاضطراب والخوف والتردد وقد يدخل الإنسان معها في حالة من الاكتئاب وهي حالة انفعالية تكون فيها الحالة النفسية والجسدية متوترة وتكون فيها الاستجابات النفسية والجسدية منخفضة وغير سارة, ويصاحب هذه الحالة شعور باليأس والإحباط والسخط العام وانعدام الثقة بالنفس, وفقدان الاهتمام بالأشياء والعجز عن التركيز والشعور في بعض الأحيان بالعجز والميل إلى التخلص من الحياة. مثل هذه الحالة وردت في آثار عن النبي صلى الله عليه وسلم بتعبير الهَمِّ الحَزَن (بفتح الزاي) والحزن يكون من أمر قد وقع, والهم يكون من أمر مُتَوَقَّع, قال صلى الله عليه وسلم مستعيذا بالله (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحَزَن)، ومن آثاره كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في ذات الحديث العجز والخمول والسلبية قال صلى الله عليه وسلم (وأعوذ بك من العجز والكسل).
والملفت للنظر والمثير للخوف كذلك أن كثيرا من الناس من حولنا تبدوا عليهم مثل هذه الأعراض أو شيئا منها, أحيانا سوء المزاج والحزن غير المبرر, والضجر
الدكتور عماد الراعوش
اختلف علماء الشريعة في حكم التحكم في تحديد جنس المولود عن طريق التوقيت أو النظام الغذائي أو العمليات الطبية بين مانع ومجيز مطلقا ومجيز بشروط, فالمانعون يقولون إن التحكم في جنس المولود تغيير لخلق الله وهو محرم بقوله تعالى: ( وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ).(النساء: 119), وقوله صلى الله عليه وسلم الذي جاء في صحيح البخاري: ( لَعَنَ اللَّهُ الوَاشِمَاتِ وَالمُوتَشِمَاتِ، وَالمُتَنَمِّصَاتِ وَالمُتَفَلِّجَاتِ ، لِلْحُسْنِ المُغَيِّرَاتِ خلق الله), لكن الفريق المجيز يعترضون على هذا الاستدلال, ويقولون إن تغير خلق الله يعني تغيير دين الله, قال الإمام الطبري أولى الأقوال بالصواب أن معنى خلق الله: دين الله، وذلك لدلالة قوله تعالى:( فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ), وقال آخرون لو حملنا خلق الله على معنى تغيير الخلقة فالتغيير المنهي عنه فيما خلقه الله وأتمه, وهو ما تدخل فيه يد الإنسان بالفعل ، لتغيير الخلقة الأصلية، بالزيادة أو النقصان, كما في فصل أعضاء الحيوان الحي, كقطع الآذان ونحوه, وهذا غير وارد في اختيار جنس المولود لأن غاية الأمر أن يتخيّر الإنسان جنسا من جنسين كلاهما من خلق الله, وله مطلق التصرف فيهما, فإن شاء نجحت عملية الاختيار وإن لم يشأ لم تنجح, وإن شاء تم هذا الحمل وإن لم يشأ لم يتم, ومما يؤكد ذلك أنه لا توجد طريقة من طرق التحكم تحظى بفرصة نجاح تامة من أول العملية إلى آخرها, بل هنالك احتمالات كثيرة وقوية للفشل في أي مرحلة.
ومثل هذا الاعتراض يوجه إلى الدليل الثاني من أدلة المانعين وهو قولهم إن التحكم في جنس الجنين تدخل في مشيئة الله تعالى التي وزعت الجنسين بحكمة ومقدار، وحفظت التوازن بينهما استدلالا بقول تعالى: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ)( الشورى:49), فهذا لا يسلم وليست هذه العملية خروجا عن مشيئة الله, بل هي تنفيذا لها فالإنسان يفعل بقدرة الله ويشاء بمشئته (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)(الإنسان:30), ولا يمكن لمخلوق مهما أوتي من علم وقوة أن يخرج عن مشيئة الله, من هنا نجد العلماء كثيرا ما يذكرون أن نتائج هذه العملية ليس يقينية مطلقة, ويمكن أن يُرَدّ هذا الدليل كذلك بأن الإنسان مأمور بأن يتصرف بأسباب الله ويستخرج من خلق الله ما يحقق له الخير ويدفع عنه الشر, ولن يكون ذلك خروجا على مشيئته, والدليل أنه لم يقل أحد بتحريم معالجة العقم, ولم يعدَّه أحد خروجا عن مشيئة الله, على الرغم من أن العقم جاء في الآية التالية معطوفا على هبة الذكور والإناث قال تعالى: (أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ)(الشورى:50).
أما قولهم إن علم ما في الأرحام للخالق سبحانه، بدليل قوله تعالى: (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلّ
عماد الراعوش
أصبح من الممكن طبيا التحكم في تحديد جنس المولود, بمعنى أن بإمكان الزوجين الذين يريدان إنجاب مولود ذكر مثلا أن يتبعا نظاما غذائيا معينا, أو أن يستخدما بعض المستحضرات الطبية أو أن يقوما بإجراء عمليات طبية, ومن ثم يرزقان المولود الذي يرغبان به, وفرص نجاح هذه الإجراءات متفاوتة حسب الإجراء المتبع. هذا التطور الطبي دفع جميع المعنيين به سواء الزوجين والأطباء وعلماء الشريعة لأن يبحثوا في حكم المسألة الشرعي, على اعتبار أنها مسألة فقهية مستجدة لم تبحث البحث الوافي في كتب القدماء سوى إشارات نادرة عابرة كإشارات السيوطي في كتابه الرحمة في الطب والحكمة إلى بعض أنواع الغذاء التي يمكن أن تساهم في تحديد جنس المولود في سياق يدل على الإباحة بهذا الحد. أما العلماء المعاصرون فقد بحثوا هذه المسألة, وافترقوا في نتائجهم إلى ثلاثة اتجاهات هي:
الاتجاه الأول يرى جواز هذا الإجراء إذ لا دليل عندهم على المنع, وعدم وجود دليل على المنع يعني أن الأمر يبقى على الإباحة الأصلية, ولا يرى هؤلاء في ذلك خروجا على مشيئة الله ولا تدخلا في خلقه, بل هو سبب كسائر أسباب البشر لتحقيق هذه المشيئة, والإنسان مأمور باتخاذ الأسباب ثم تفويض أمره لمشيئة الله, ليس هذا فحسب بل إن أكثر المجيزين يستدلون لذلك بأدلة من القرآن والسنة غير الإباحة الأصلية, ومن هذه الأدلة:
أولا: أن توجه الإنسان لله بالدعاء بأن يرزق جنسا معينا جائز شرعاً، بدليل دعاء زكريا عليه السلام (فهب لي من لدنك وليا * يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا)(مريم:5- 6), ومعلوم أن ما جاز طلبه جاز فعله، لأنه لا يجوز للإنسان أن يتوجه بالدعاء في طلب شيء محرم.
ثانيا : جاء في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ( ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله ، وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله) وفي روايات أخرى (إن ماء الرجل غليظ أبيض وماء المرأة رقيق أصفر فمن أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه), ووجه الدلالة أن هذه النصوص تدل على سبب اختلاف الجنسين، بأمر يمكن التصرف فيه لاختيار جنس المولود, وهذا يدل على أن الأخذ بالأسباب المؤدية لاختيار أحد الجنسين ليس حراما.
رابعا: القياس على العزل وهو محاولة لتنظيم النسل وضبط مواقيت الإنجاب وهو جائز, فكذلك محاولة ضبط جنس المولود كذلك جائز.
وممن ذهبوا إلى هذا الرأي كما يذكر الدكتور عبد الرشيد بن محمد بن قاسم - أمين مصادر التعلم بمكة الأساتذة: عبد الله البسام – عضو المجمع الفقهي بمكة وعضو هيئة كبار العلماء بالسعودية, صالح بن حميد – عضو هيئة كبار العلماء بالسعودية وإمام المسجد الحرام, مصطفى الزرقا – عضو مجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة, يوسف القرضاوي - عضو مجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة, نصر فريد واصل – مفتي جمهورية مصر سابقاً, وهبة الزحيلي – عضو مجمع الفقه الإسلامي بمكة وأستاذ بكلية الشريعة بجامعة دمشق, إبراهيم الدسوقي - وزير الأوقاف السابق بمصر, محمد سليمان الأشقر – أستاذ بكلية الشريعة بالجامعة الأردنية سابقاً, محمد تقي الدين العثماني – عضو المجمع الفقهي بمكة المكرمة. محمد سالم عبد الودود – عضو المجمع الفقهي بمكة المكرمة, وهو رأي لجنة الإفتاء بوزارة الأوقـاف بالكويت، ودار الإفتـاء بجـامعة دار العلوم بكراتشي. علي جمعة مفتى مصر, محمد رأفت عثمان، مقرر لجنة البحوث الفقهية بمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر.
الدكتور عماد الراعوش
استهوت فكرة اختيار جنس المولود الناس منذ أقدم العصور، وابتكروا لذلك وسائل شتى, كانوا يظنون أنها تســاعد في إنجاب المولود الذي يرغبونه، قديما اعتقد البعض أن الجماع في الأيام الزوجية ينتج ذكوراً وفي الفردية ينتج إناثاً, وأعتقد آخرون أن نوع الطعام الذي تتناوله المرأة يساهم في الاختيار, وآخرون زعموا أن زواج وزواج الرجل النحيف من المرأة السمينة يزيد من إنجاب الذكور, بينما زواج السمين من النحيفة يزيد من إنجاب الإناث, ونظريات أخرى كثيرة بعضها له حظ من القبول, وبعضها لا يعدو أن يكون ضربا من الخرافة, إلى أن جاء العلم الحديث وبدد كثيراً من الاعتقادات السابقة, وقدم نظريات حظيت بالاهتمام والدراسـة والتجريب والتطبيق, تفاوتت في تعقيدها واحتمال نجاحها, ولاقى بعضها نجاحا وصل إلى نسب عالية جدا.
وقد ذكر المتخصصون أشهر هذه الوسائل, وأوثقها نجاحا, ولعل أشهر ما ذكروا ينحصر في خمسة طرق هي:
الطريقة الأولى: تقوم على نظرية تفيد أن لحموضة القناة التناسلي للمرأة دور هام في عميلة تحديد جنس الجنين، وقد ثبت من خلال عدة تجارب علمية أن الوسط القلوي يساعد على إنجاب الذكور, أما الوسط الحامضي فيساعد على إنجاب الإناث. وبناء عليه يمكن تهييئ قناة المرأة التناسلية باستشارة الطبيب وبوسائل طبية خاصة لتكون في الظروف التي تساعد على إنجاب المولود المرغوب فيه.
الطريقة الثانية: تعتمد هذه الطريقة على توقيت الجماع, إذ لوحظ بتجارب علمية أن الحيوانات المنوية الذكرية أضعف وأقصر عمرا من الحيوانات الأنثوية, وبالتالي فإذا حصل الجماع قبل وقت التبويض فإن الحيوانات الذكرية لن تجد بييضة جاهزة للتلقيح, وبالتالي تموت لكونها أضعف وأقصر عمرا، بينما تبقى الخلايا الأنثوية الأقوى والأطول عمراً والتي يمكن أن تبقى إلى أربعة أيام بعد الجماع, فإذا صادفت نزول البييضة خلال هذه الأيام انفردت بتلقيحها وكان المولود أنثى.
الطريقة الثالثة: لوحظ من خلال التجارب العلمية أن زيادة نسبة الصوديوم والبوتاسيوم في الدم, وانخفاض نسبة الكالسيوم والمغنيسيوم يحدث تغييرات على جدار البييضة تجذب الحيوانات المنوية الذكرية وبالتالي تكون نتيجة التلقيح ذكرا, وزيادة نسبة الكالسيوم والمغنيسيوم في الدم وانخفاض الصوديوم والبوتاسيوم تجذب الحيوانات المنوية الأنثوية وبالتالي تكون نتيجة التلقيح أنثى. وبناء على ذلك فإن هذه الطريقة تعتمد على اتباع المرأة نظاما غذائيا يسبق التلقيح بفترة لا تقل عن ستة أسابيع تزيد بها المخزون الغذائي الذي يشجع الجنس المرغوب فيه, فعلى المرأة إذا رغبت في إنجاب مولود ذكر الإكثار من المواد المحتوية على البوتاسيوم والصوديوم , والامتناع عن المأكولات المحتوية
الدكتور عماد الراعوش
بجانب اهتمام القرآن الكريم بالقضايا التشريعية والعبادات العملية، اهتم بالقضايا الفكرية اعني طريقة التفكير وكيفية الوصول إلى الحقائق. ورسم للناس منهج التفكير السليم، بل لم يترك نظرية أو مذهباً شغل العقل الإنساني إلا وبحث فيه ووضع أصوله العامة. من هنا فإن جميع من اشتغل بالتفكير العقلي في الإسلام حاول أن يستند إلى القرآن لأنه تناول كل نواحي الفكر، وأمد كل فكر عقلي أو تجريبي بحقائق إما مؤيدة أو مخالفة له.
والقرآن بهذا - ولا شك - قد فاق كل الفلسفات التي سبقته ، صحيح أن الفلسفة اليونانية استطاعت في ذروتها أن تصوغ مناهج عقلية متقدمة - بالنسبة للحضارات التي سبقتها والتي لحقتها حتى نزول القرآن - إلا أن ذلك كله لم يفض إلا إلى مجموعة من الآراء المتعارضة التي أعاقت العقل أكثر مما ساعدته.
وليس ذلك بالمقارنة مع المناهج العقلية اليونانية فحسب، بل بالمقارنة أيضا مع النزعات العقلية في كتب الأديان التي اكتفت – كما يقول عباس العقاد في كتاب التفكير فريضة إسلامية - بمجرد إشارات صريحة أو مضمونة إلى العقل أو التمييز، حتى أن هذه الإشارات يُلمح منها أحيانا نوع من الزراية بالعقل والتحذير منه لأنه مزلة العقائد.
القرآن قبل كل شيء كتاب عقيدة وشريعة صالحة لكل زمان ومكان، ولكنه مع ذلك تعرض لكثير من القضايا العقلية وناقشها عبر منهج عقلي لا تجد له مثيلاً في الشكل والمضمون، لأن أفضل أساس يمكن أن تقوم علية هو التفكير البناء.
والعقل السليم هو أساس منهج التفكير الذي يدعو القرآن الكريم له, وهو محور الاهتمام لذا لم يذكره القرآن - كما يقول العقاد - " إلا في مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل به، ولم تأت الإشارة إليه غامضة ولا عارضة ولا مقتضبة في سياق الآية ، بل هي تأتي في كل موضع من مواضعه مؤكدة جازمة باللفظ والدلالة ، وتتكرر في كل معرض من معارض الأمر والنهي التي يُحث فيها المؤمن على تحكيم عقله أو يلام فيها المنكر على إهماله عقله وقبوله الحجر عليه."
ومما يدل على تكريم العقل والحث على استخدامه، كثرة تكرار الألفاظ الدالة على العقل ومرادفاتها في مقام التكريم، والألفاظ الدالة على وظائف العقل سواء في سياق الحث على استخدامه أو ذم تعطيله. فمثلاً وردت مشتقات لفظة عقل تسعا وأربعين مرة، ووردت الدعوة إلى النظر العقلي مائة وتسعاً وعشرين مرة، والدعوة إلى التبصر مائة وثمان وأربعين مرة، والدعوة إلى التذكّر مائتين وتسعاًً وستين مرة، بالإضافة إلى صيغ أخرى تحمل الحث على استخدام المنهج العقلي.
إن التفكير والدعوة إلية سمة الدعوة الإسلامية العامة يقول تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّ









